القاضي النعمان المغربي
267
تأويل الدعائم
إذا قاما في الصلاة تغيرت ألوانهما مرة حمرة ، ومرة صفرة ، كأنهما يناجيان شيئا يريانه . وعن علي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا دخل في الصلاة كان كأنه ثابت أو عمود قائم لا يتحرك وأنه كان ربما ركع أو سجد فيقع الطير عليه يعنى من طول ركوعه وسجوده وهدوئه بلا حركة فيظن الطير أنه غير إنسان ، قالوا ولم يطق أحد أن يحكى صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير علي بن أبي طالب صلى اللّه عليه وسلم وعلي بن الحسين صلى اللّه عليه وسلم ، فهذا في ظاهر الصلاة من طول الركوع والسجود ، وقد تقدم القول بأنه إنما ينبغي أن يفعله من صلى وحده لنفسه وأن من صلى بالناس خفف من ذلك . وقد تقدم ذكر ذلك وذكر تأويله وجملة ذلك ما يستحب من طول التذكر والفكر فيما توجبه دعوة الخوف أخذ من كان من أهلها نفسه بذلك ، وأن من فاتح بذلك ممن تجوز له المفاتحة غيره لم يفاتحه منه إلا بقدر ما يحتمله وأنه لا ينبغي له أن يطيل من ذلك عليه ما لا يستطيع حفظه . ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلى اللّه عليه وسلم من أنه لا بأس أن يراوح المصلى بين قدميه وأن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ما لم يتفاحش ذلك ، تأويله ما قد تقدم القول به من أن مثل الرجلين في التأويل مثل الإمام والحجة اللذين بهما قوام العباد ولا بأس لمن فاتح بالحكمة من يجوز له مفاتحته أن يفرد بالقول عند ذكرهما دون الآخر وأن يقدم ذكر من شاء منهما في مفاتحته على سبيل ما يجرى في الكلام إذا هو بين مرتبة كل واحد منهما ومقامه الّذي أقامه اللّه تعالى له . وقوله ما لم يتفاحش ذلك مثله ألا يطيل القول في ذكر أحدهما ويعرض عن الآخر لأن من الواجب أن يذكرا معا بما جعله اللّه من الفضل لكل واحد منهما ويتلو ذلك نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن يفرق المصلى بين قدميه في الصلاة وقال ذلك فعل اليهود ، ولكن أكثر ما يكون ذلك نحو الشبر فما دونه وكلما جمعهما فهو أفضل إلا أن يكون به علة ، فهذه هي صفة الوقوف في الصلاة وذلك أن يقرن الرجل بين قدميه ولا يفرقهما تفريقا يتفاحش إلى التفجج إلا من علة تكون به فإن كانت به علة لا يستطيع معها إلا ذلك فلا بأس به ، وتأويله ألا يفرق أهل دعوة الحق بين إمام زمانهم وحجته ولا بين أحد ممن مضى من الأئمة والحجج